فنانة الشهر: الفنانة متعددة التخصصات زهرة بندقجي
زهرة فنانة متعددة التخصصات وقيّمة فنية، تتنقل ممارستها بين النحت، والخزف، والفنون الصوتية والأدائية والتصويرية، والأعمال التركيبية. تتناول أعمالها مفاهيم تتعمق في التواصل والروابط والتجارب المشتركة، مع التركيز على كيفية كشف الأشياء والإيماءات والمساحات المألوفة في حياتنا اليومية عن بنى اجتماعية وثقافية أوسع.
كان الفن جزءًا من حياة الفنانة اليومية قبل أن يتحول إلى ممارسة احترافية بوقت طويل. فنشأتها بين أفراد عائلة ينتمون لخلفيات ثقافية متنوعة جعلتها محاطة بلغاتها وتقاليدها وطرق تجمعها المختلفة، والتي غالبًا ما كانت تدور حول تحضير الطعام معًا ومشاركته، واحتفوا بتعددية الحياة وتنوعها: من تصميم رقصات بوليوود مع أولاد وبنات أعمامها وأخوالها، إلى مجموعات أشرطة الكاسيت وفيديوهات أغانٍ مصورة على قناة MTV، وساعات من التجول في أسواق الأقمشة.
كانت والدتها، التي امتهنت التعليم التربوي ودرّست الفن أسلوبًا وطريقة، محورًا أساسيًا في خلق هذه البيئة، إذ وسّعت نطاق إبداعها ليتجاوز حدود الفصل الدراسي ويمتد إلى الحياة العائلية. تتذكر زهرة قائلة: “كانت أمي تعيش حياة إبداعية، ودعتنا بكرم لنكون جزءًا منها”. ولا يزال تأثير هذه التجارب المبكرة المليئة بالابتكار والتعاون الاجتماعي والتواصل عبر لغات إبداعية مؤثرًا حتى اليوم على ممارستها الفنية.
تعرفت زهرة على الخزف لأول مرة أثناء دراستها لنحت المجسمات في سان فرانسيسكو، لكن شغفها الحقيقي بالطين لم يشتعل إلا بعد انتقالها إلى برشلونة؛ إذ غيرت صداقتها الوطيدة مع فنانة مختصة بالخزف علاقتها بهذه الخامة تمامًا. دخلت هذا المجال في البداية بنية خلق منحوتات مفاهيمية، لتكتشف بعدها حبًا خالصًا لصناعة الأطباق والمزهريات جنبًا إلى جنب مع ممارستها للفن المعاصر.
غالباً ما تبدأ ممارس ةزهرة بسؤال بدلاً من وسيط فني محدد؛ إذ يتطور البحث عبر المحادثات، والتاريخ الشفهي، والملاحظة، والتجارب المعيشة، قبل أن ينتقل إلى مرحلة تشكيل المواد. وهي تتبع موضوعها حتى تبدأ معالجة الفكرة بالتبلور والظهور، سواء كان ذلك من خلال النحت، أو الصوت، أو الأداء، أو الصورة، أو التركيب الفني
شكل عملها “صوت الإنصات” نقطة تحول ناضجة في هذا النهج، إذ جمع بين الصوت، والتركيب المكتسب للمكان، والتاريخ الشفهي المجمع من نساء عبر أجيال مختلفة. أصبح الاستماع موضوعًا ومنهجًا في آنٍ واحد: طريقة للتفكير في كيفية تواصل البشر، وكيف تدخل التجارب الفردية إلى الفضاء الجمعي، وكيف يمكن للعلاقات التي تتشكل عبر فعل الاستماع أن تصبح جزءًا أصيلًا من العمل الفني نفسه.
توضح زهرة: “البحث قد يستغرق للأبد بكل صراحة، لذلك في مرحلة يجب أن أتوقف عن التفكير وأبدأ بالعمل والصب والصنفرة وصناعة قالب، وتغطية نفسي بالغبار، بعدها أبدأ بالعمل “.
مؤخرًا، وسّعت الأمومة ورعاية الأسرة من نطاق الأسئلة التي تطرحها الفنانة في ممارستها، خاصة فيما يتعلق بالمساحات التي توفرها الفضاءات الفنية، وكيف يمكن للفن أن يستجيب للحياة التي تتفتح داخل هذه المساحات وحولها. تطرح أعمالها الحالية مفاهيم الرعاية، واللعب، والصوت، والعلاقات الممتدة بين الأجيال في قلب الحوار، ممتدة باهتمامها بالمشاركة والتجربة المشتركة دون التضحية بأيٍّ من أمومتها أو فنها.
تنثكب هذه الاهتمامات أيضًا في ممارسة زهرة في التقييم الفني. فبعد أن بدأت بتنظيم معارض بالتعاون مع فنانين مستقلين شباب، لا تزال تتبع النهج نفسه في التقييم الفني القائم على الحوار والتجريب. فهي تثمّن الوقت الذي يسبق تبلور المعرض، حين يتبادل الفنانون والقيّمون المراجع، ويختبرون الأفكار، ويسمحون للمشاريع بأن تتغير وتتطور من خلال الحوار المتصل.
وتسير نصيحتها للفنانين الصاعدين على النهج نفسه: “اجتمعوا معًا. دعموا وروّجوا لبعضكم البعض بلا حدود. تشاركوا الاستوديوهات. انقدوا أعمال بعضكم البعض بصدق، وابحثوا بفعالية عن من ينقد أعمالكم”. كما تشجع الفنانين على الاستمرار في الإنتاج، والبقاء منفتحين أمام تحدي أفكارهم، ومطاردة المنح، الإقامات الفنية، والدعوات المفتوحة وغيرها من الفرص دون انتظار أن يصبح العمل—أو يصبحوا هم أنفسهم—في حالة جاهزية مثالية.
تُعد ساحة حي جميل الاجتماعية المركزية، المكان المفضل لزهرة بفضل أجوائها الترحيبية. ومن خلال مساحة “صناع حي”، تحول حلمها في إنشاء استوديو خزف مجتمعي إلى حقيقة. وكانت قيادتها لورشة عمل هناك بمثابة إغلاق للدائرة وعودة إلى النقطة التي بدأت منها؛ عودة إلى الوطن بعد عقد من الدراسة في الخارج لتشارك حرفتها مع المجتمع المحلي الذي كان مصدر إلهامها الأول.
سلسلة “فنان الشهر” تسلط الضوء على المبدعين الصاعدين الذين يتركون أثرًا في مجالاتهم.